الحلبي

312

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وأثنى عليه معروفا ، حتى سألوا رجلا يقال له أبو سعدة ذمه وقال : لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل في القضية . فلما بلغ سعدا ذلك قال : اللهم إن كان كاذبا فأطل عمره ، وأدم فقره ، وأعم بصره ، وعرضه للفتن ، فعمي ، وافتقر ، وكبر سنه ، وصار يتعرض للإماء في سكك الكوفة ؛ فإذا قيل له : كيف أنت يا أبا سعدة ؟ يقول : شيخ كبير فقير مفتون أصابتني دعوة سعد . قيل لسعد : لم تستجاب دعوتك من دون الصحابة ؟ فقال : ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا أعلم من أين جاءت ، ومن أين خرجت ؟ أي لأنه جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما « تليت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [ البقرة : الآية 168 ] فقام سعد بن أبي وقاص وقال : يا رسول اللّه ادع اللّه أن يجعلني مستجاب الدعوة . فقال : والذي نفس محمد بيده إن العبد ليعقد اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما » . وقد جاء في الحديث « من كان مأكله حراما ، ومشربه حراما ، وملبسه حراما فأنى يستجاب له » فليتأمل هذا الجواب . وقد يقال : مراد سعد بقوله : ادع اللّه أن يجعلني مستجاب الدعوة ، أي ممن يأكل الحلال الطيب ويميز عند الأكل بين الحرام وبين غيره حتى أكون مستجاب الدعوة . ولعل المراد بالأكل ما يشمل الشرب . ولعل السكوت عن اللبس لأنه نادر بالنسبة للأكل ، وجوابه صلى اللّه عليه وسلم بقوله « والذي نفس محمد بيده » تقرير لما فهمه سعد رضي اللّه عنه أن من يأكل غير الحلال لا يكون مستجاب الدعوة تأمل . والحق أن سبب استجابة دعوة سعد دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم له بذلك ، ولعله إنما لم يجب بذلك لمن سأله بقوله لم تستجاب دعوتك من بين الصحابة ، لأنه يجوز أن يكون دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم له بذلك تأخر عن هذا فليتأمل . وفي الشرف « أن سعدا رضي اللّه عنه رمى يوم أحد ألف سهم ما منها سهم إلا ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول له ارم فداك أبي وأمي ، ففداه في ذلك اليوم ألف مرة » . وعن علي كرم اللّه وجهه « ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فداك أبي وأمي إلا لسعد رضي اللّه عنه » وفي رواية « فما جمع صلى اللّه عليه وسلم أبويه لأحد إلا لسعد رضي اللّه تعالى عنه » . قال في النور : الرواية الأولى أصح ، لأنه أخبر فيها أنه لم يسمع ، أي لأنه حينئذ لا يخالف ما جاء عن عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم جمع لأبيه الزبير رضي اللّه عنه بين أبويه ، أي قال له فداك أبي وأمي كسعد » أي وذلك في